الأم المثالية بالسويس

سوسن: "أهديتُ مصر ثلاثة أبناء "مبصرين" بقلوبهم

سوسن عبد الرحمن الفائزة بالأم المثالية
سوسن عبد الرحمن الفائزة بالأم المثالية

قالت سوسن عبد الرحمن الفائزة بالمرتبة الأولي من محافظة السويس "أم لابن ذوي إعاقة": عام 1986 حين ضمت يداي طفلتي الأولى، لم أكن أعلم أن الله يرسل لي معها "رسالة عمر" كاملة، وُلِدت كفيفة البصر، ومعها وُلِدت بداخلي قوة لم أعهدها من قبل.

 لم تمر سوى سنوات قليلة حتى تكرر الاختبار مع ابني الثاني عام 1994، ثم الثالث عام 1997 بنفس الإعاقة البصرية، وفي ظل سفر زوجي الدائم للعمل  وجدت نفسي الأم والأب والقائدة والمعلمة لسنوات طويلة، أدركتُ حينها أن "الشفقة" هي العدو الأول لأبنائي، وأن البكاء لا يصنع مستقبلاً، فقررتُ أن أبني فيهم شخصيات قوية، تؤمن بأن الاختلاف قوة وليس نقصاً.

لم أكتفِ بالأمومة الفطرية بل سلكت طريق العلم لأفهم عالمهم، حصلتُ على بعثة للمكفوفين عام 1997، كنتُ أجلس كتلميذة مجتهدة لأفهم كيف يتعامل العالم مع هذا التحدي، ودرستُ تخصص 'تربية خاصة' ليكون لدي السلاح العلمي لتربيتهم، كنتُ أتعلم لأطبق ما درسته مع أبنائي في البيت، علمتهم الحزم الممزوج بالحب، وكيف أن الاختلاف ليس عجزاً، بل هو تمييز يتطلب مجهوداً مضاعفاً.

والآن، وأنا في الثامنة والستين من عمري، أنظر لحصادي وأبتسم؛ ابنتي الكبرى حصلت على ليسانس الآداب، وحصدت المراكز الأولى على مستوى الجمهورية وتعمل اليوم في إحدى كبرى شركات البترول، لتثبت أن البصيرة أقوى من البصر، وابني الثاني  تخرج في كلية نظم ومعلومات بتقدير جيد جداً، شق طريقه في عالم التكنولوجيا بكل ثبات، أما ابني الثالث، فكان قصة نجاح استثنائية؛ تخرج في الإعلام عام 2020 بامتياز مع مرتبة الشرف، وأطلق "بودكاست" خاص به، وتألق في برنامج "العباقرة"، وقدم حفلاً رسمياً أمام رئيس مجلس الوزراء العام المضب، ليثبت للعالم أن من قررت أمه ألا تتركهم في الظل صاروا هم الضياء.

رسالتي لم تنتهِ عند حدود بيتي؛ فقد وهبتُ حياتي لكل مكفوف في محافظتي، عملتُ معلمة وموجهة للإعاقة البصرية، وحتى بعد بلوغي سن التقاعد، لم أنقطع يوما عن مدرستي؛ أحل مشكلات الطلاب المادية والمعنوية، فالعطاء عندي لا يعرف التقاعد، وحين رحل إخوتي، فتحتُ بيتي وقلبي لأبنائهم، فكنتُ لهم الأم والجدة والسند الذي يجمع شتات الجميع تحت سقف واحد.

بعد هذه السنوات، أقول لكل أم تواجه تحدياً مع ذوي الهمم لا تنظري لما فُقد من أبنائك، بل لما أودعه الله فيهم من طاقة، كوني أنتِ البصيرة التي يقرأون بها الحياة، وستجدينهم يوماً ما يقودون العالم بعزيمتهم.

 

 

 

ترشيحاتنا